عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

198

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

ومراعاة الأسرار والوفاء بالعهود وحفظ الوقت وقلة الالتفات إلى الخواطر وحسن الأدب في مواقف الطلب وأوقات الحضور ومقامات القرب . وسئل أبو حفص عن أدب الفقير في الصحبة فقال : حفظ حرمات المشايخ وحسن العشرة مع الإخوان والنصيحة للأصاغر ، وترك صحبة من ليس في طبقتهم ، وملازمة الإيثار ومجانبة الادخار والمعاونة في أمر الدين والدنيا . فمن أدبهم : التغافل عن زلل الأخوان والنصح فيما تجب فيه النصيحة في الخلاء ، وكتم عيب الأصحاب ، واطلاعهم على عيوبهم في السر ، والقيام بخدمتهم واحتمال الأذى منهم ، فبذلك يختبر الفقير حلمه ويظهر جوهره . ومن آداب القوم : أن لا يرون لأنفسهم ملكا يختصون به . قال إبراهيم بن شيبان : كنا لا نصحب من يقول : نعلي . وقال أحمد القلانسي : دخلت على قوم من الفقراء بالبصرة فأكرموني وبجلوني فقلت يوما لبعضهم : أين إزاري . فسقطت من عينهم . وكان إبراهيم بن أدهم إذا صحبه إنسان شارطه على ثلاثة أشياء : أن تكون الخدمة والأذان له ، وأن تكون يدهم في جميع ما يفتح اللّه عليهم من الدنيا كيده . فقال رجل من أصحابه : أنا لا أقدر على ذلك . فقال : أعجبني صدقك وكان إبراهيم بن أدهم ينظر البساتين ويعمل في الحصاد وينفق على أصحابه . وكان من أخلاق السلف : كان من احتاج إلى شيء من مال أخيه استعمله من غير أمره . قال اللّه تعالى : وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ [ الشّورى : 38 ] أي مشاع هم فيه سواء . ومن الأدب : تقديم من يعرفون فضله والتوسعة له في المجلس والإيثار بالموضع . روى أن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - كان جالسا في صفة ضيقة فجاء قوم من البدريين فلم يجدوا موضعا يجلسون فيه ، فأقام رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - من لم يكن من أهل بدر فجلسوا مكانهم ، فاشتد ذلك عليهم ، فأنزل اللّه تعالى : وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا [ المجادلة : 11 ] الآية . حكى أن علي بن بندار الصوفي ورد على أبي عبد اللّه بن خفيف زائرا ، فتماشيا ، فقال أبو عبد اللّه : تقدم ، فقال : بأي عذر ، قال : بأنك لقيت الجنيد وما لقيته . ومن الأدب : ترك التكلف مع الإخوان . قيل : لما ورد أبو حفص العراق تكلف له الجنيد أنواع الأطعمة فأنكر ذلك أبو حفص وقال : صير أصحابي مثل المخانيث